نور الدين عتر
133
علوم القرآن الكريم
شريعة الإسلام أكمل الشرائع وخاتمة الشرائع جميعا ، فكان من حكمته سبحانه أن نسخ بها الشرائع والأديان السابقة كلها . وتفصيل هذا وشرحه : « أن النوع الإنساني تقلب كما يتقلب الطفل في أدوار مختلفة ، ولكل دور من هذه الأدوار حال تناسبه غير الحال التي تناسب دورا غيره ، فالبشر أول عهدهم بالوجود كانوا كالوليد أول عهده بالوجود سذاجة وبساطة ، وضعفا وجهالة ، ثم أخذوا يتحولون من هذا العهد رويدا رويدا ، ومروا في هذا التحول أو مرت عليهم أعراض متباينة ، من ضآلة العقل ، وعماية الجهل ، وطيش الشباب ، وغشم القوة على تفاوت في هذا بينهم ، اقتضى وجود شرائع مختلفة لهم تبعا لهذا التفاوت . حتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه جاء هذا الدين الحنيف ختاما للأديان ، ومتمما للشرائع ، وجامعا لعناصر الحيوية ومصالح الإنسانية ومرونة القواعد ، جمعا وفّق بين مطالب الروح والجسد ، وآخى بين العلم والدين ، ونظم علاقة الإنسان باللّه وبالعالم كله من أفراد وأسر وجماعات وأمم وشعوب وحيوان ونبات وجماد مما جعله بحق دينا عاما خالدا إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها » « 1 » . لذلك لم يقع خلاف بين الأمم حول النسخ ولا أنكرته ملة من الملل قط ، إنما خالف في ذلك اليهود ، فأنكروا جواز النسخ عقلا ، وبناء على ذلك جحدوا النبوات بعد موسى عليه السلام ، وتذرعوا بذلك الزعم لإنكارهم نبوة عيسى ونبوة سيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام . وأثاروا الشبهة فزعموا أن النسخ محال على اللّه تعالى ، لأنه يدل على البداء ، أي ظهور رأي بعد أن لم يكن ، وكذا استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم ، والبداء مستحيل في حق اللّه تعالى ، لأنه واجب له تعالى لذاته وصف العلم المحيط بكل شيء من الأزل إلى الأبد . والجواب عن هذا من وجوه :
--> ( 1 ) مناهل العرفان ج 2 ص 90 - 91 .